الشيخ محمد رشيد رضا
449
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فهو آية المودة والصفاء ، وثبت في التنزيل ان السّلام تحية أهل الجنة يحييهم بها ربهم جل وعلا وملائكته الكرام ويحيي بها بعضهم بعضا ، وهو تحية الاسلام الذي هو دين السلم والمسالمة ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) واختلفوا في هذا السّلام هنا : أهو تحية أمر اللّه تعالى رسوله أن يبدأ بها الذين يؤمنون بآياته إذا جاؤه إكراما خاصا بهم مخالفا للأصل العام ، وهو كون القادم هو الذي يلقي السّلام ، أم هو تحية منه تعالى أمر رسوله ان يبلغهم إياها عنه ، أم هو إخبار عنه تعالى بسلامتهم وأمنهم من عقابه ، قفى عليه ببشارتهم بمغفرته ورحمته ؟ روي الأول عن عكرمة فهو خاص بمن قال إن الآية نزلت فيهم . والثاني عن الحسن والثالث عن ابن عباس وهو أظهرها ، والمراد بالآيات آيات القرآن ، المشتملة على حجج اللّه وآياته في الأنفس والآفاق ، وهذه الآية معطوفة على آية النهى ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) الخ والآية التي بينهما معترضة بين فيها ابتلاء كبراء المشركين بضعفاء المؤمنين ورغبتهم في طردهم وقوله تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ تقدم مثله في الآية الثانية عشرة من هذه السورة ، وكتابتها إيجابها على ذاته العلية وله أن يوجب على نفسه ما شاء ولا يوجب عليه أحد شيئا . فالرحمة من شؤون الربوبية الواجبة لها لا عليها ، وان في نظام الفطرة البشرية ، وما سخر اللّه للبشر من أسباب المعيشة المادية ، وما آتاهم من وسائل العلوم الكسبية ، ومن هداية الوحي الوهبية ، لآيات بينات على سعة الرحمة الربانية ، وتربية عباده بها في حياتهم الجسدية والروحية . بل هي التي وسعت كل شيء ، ولكن كتابتها أمر آخر خص به بعض الخلق ، كما يأتي في سورة الأعراف . وقد بين لنا سبحانه أصلا من أصول الدين ، في هذه الرحمة المكتوبة للمؤمنين ، فقال : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ الخ - قرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب « أنه » بفتح الهمزة وقرأه الباقون « إنه » بكسرها ، فاما قراءة الفتح فعلى البدل من الرحمة أي بدل البعض من الكل إذ ذكر من أنواع الرحمة المكتوبة ما هم أحوج إلى معرفته بنص الوحي وهو حكم من يعمل السوء من المؤمنين وكيف يعامله اللّه تعالى ، واما سائر أنواعها ، وما هو احسان غير مكتوب منها ، فيمكن ان يستدل عليهما بالنظر « تفسير القرآن الحكيم » « 57 » « الجزء السابع »